القضايا الاجتماعية النفسية لمرضى السرطان الذين لا أمل في شفائهم

يتعرض الأفراد الذين يتم تشخيصهم بمرض خطير أو يهدد حياتهم كالسرطان للكثير من التغيرات في حياتهم ومنها تغيرات جسدية واجتماعية نفسية وروحية.  يخضع مرضى السرطان في بداية الأمر لأنواع مختلفة من العلاجات والإجراءات التي تهدف الى شفائهم من المرض أو إطالة حياتهم، ولكن تطرأ تغيرات جديدة حين يتفاقم المرض وتستنفد كافة خيارات المعالجة وتترافق مع تحديات جديدة أيضا لا بد من مواجهتها.

ووفقا لتعريف منظمة الصحة العالمية فإن نهج الرعاية التلطيفية يحسن نوعية حياة المرضى والعائلات التي تواجه أمراض تهدد حياتهم وذلك من خلال الوقاية وتخفيف المعاناة عن طريق الكشف المبكر والتقييم وعلاج الألم ومشاكل أخرى جسدية واجتماعية نفسية أو روحية.

ينظر مقدمو الرعاية التلطيفية للمريض ليس فقط من منظور بيولوجي ولكن أيضا من خلال منظور اجتماعي نفسي وروحي. ومن خلال الجمع بين كافة هذه الأبعاد في تقييمهم وتوصيات العلاج فإنهم يوفرون نموذجا متكاملا للرعاية المعروفة باسم الرعاية الشاملة. ولأن تجربة كل مريض فريدة من نوعها وتتأثر بالعوامل الشخصية والعائلية والثقافية، فإنه عادة ما يتم وضع خطة فردية للرعاية الشاملة بناء على وضع المريض واحتياجاته والقيم العائلية. وعلى الرغم من بعض الاختلافات إلا أن هناك قضايا مشتركة يواجهها من يعانون من مرض عضال وستناقش في هذه المقالة.

القضايا الجسدية

 يعتبر تخفيف الأعراض الجسدية للمريض، كما ذكر سابقا، جزءا اساسيا من الخدمات التي يقدمها فريق الرعاية التلطيفية.  تشمل أكثر الأعراض شيوعا لحالة المرض المتقدمة بما ذلك مرض السرطان، ما يلي: ألم، فقدان الشهية، إجهاد، ضعف، إمساك، صعوبة تنفس، إرباك، غثيان، قيء، سعال، جفاف الفم أو الحلق.

إن الشعور بواحد أو أكثر من هذه الأعراض لفترة من الزمن كاف لخلق ضغط عاطفي لدى المرضى. لذا، يعتبر التدخل المبكر الذي يؤدي لتخفيف الألم وأعراض أخرى جسدية لمنع الشعور بضغط عاطفي ولضمان صحة الوضع النفسي للمريض.

إضعط هنا للمزيد من المعلومات حول الأعراض الجسدية للمرضى الذين لا أمل في شفائهم ورعاية نهاية الحياة.

القضايا الاجتماعية النفسية

قد ينشأ الضغط الاجتماعي النفسي حين يكون الفرد غير قادر على تحقيق توقعاته أو أهداف هامة بالنسبة له أو المحافظة على العلاقة مع أفراد العائلة أو الأصدقاء.

تتضمن القضايا الاجتماعية النفسية التي عادة ما يعاني منها مرضى السرطان الذين لا أمل في شفائهم ما يلي:

الخوف والقلق: إن القلق هو شعور شخصي بالرهبة مما هو متوقع من أحداث، كالشعور بموت وشيك. يعبر معظم المرضى عند مواجهة مرض عضال عن الخوف من فقدان الفعالية والاستقلال، كما يشكل الشك بشأن المستقبل مصدرا آخر للقلق. وبالرغم من أن فكرة الموت بحد ذاتها قد تسبب القلق، فإن معظم المرضى يميلون لأن يكونوا أكثر خوفا من عملية الموت الفعلية أو احتمالات المعاناة خلال المرض. يظهر هذا القلق بأعراض مختلفة مثل اضطرابات النوم والأرق والتهيج والتعب واضطراب المعدة وتوتر العضلات أو حتى ضيق التنفس.

الاكتئاب: من الطبيعي أن يشعر الأفراد الذين يعانون من مرض عضال بالخوف والحزن والقلق، فهي ردود فعل طبيعية حزينه، إلا أنه قد يتفاقم الحزن لدى بعض الأشخاص بمرور الوقت ليتحول لاكتئاب سريري يتطلب علاجا.  أما الآشخاص الذين لديهم تاريخ من الاكتئاب السريري وأؤلئك الذين لديهم أعراض اكتئاب متواصلة أو خواطر إنتحارية متواترة، فهم الأكثر عرضة لخطر الاكتئاب السريري.

شعور بالعبء الملقى على آخرين: يعتبر هذا الشعور أكثر ما يشغل بال مرضى السرطان الذين لا أمل في شفائهم، فحين يتقدم المرض وتنخفض فعالية المريض فسيصبح أكثر اعتمادا على الآخرين لمساعدته في الأنشطة اليومية والحاجات الأساسية. وقد يشعر المريض بالقلق بشأن ما تقتضيه الرعاية الطبية من أعباء مالية يتحملها مقدمي الرعاية أو الأسرة. وقد يترافق مع ذلك الشعور بالعبء عدم القدرة على الوفاء بأدوار اجتماعية كالأبوة وغيرها. إضافة لذلك، قد يتمنى بعض الأشخاص موتا سريعا بسبب ذلك الشعور بالعبء المترتب على آخرين.  ومثال ذلك أن تقارير عن أفراد عائلات أشخاص عبروا بصراحة عن الرغبة بموت سريع أظهرت أن نسبة 58- 94% منهم   كانوا يشعرون بضغط نفسي بسبب العبء الملقى على آخرين.

قضايا مالية: غالبا ما يضطر المرضى الذي يعانون من مرض عضال كالسرطان لترك وظائفهم بسبب ما ينتج عن المرض من قصور بدني. وقد يجد الأفراد صعوبة في تغطية تكاليف رعايتهم نظرا لفقدان الدخل أو التأمين الصحي أو الضمان الاجتماعي.  يضطر بعض الأشخاص أيضا لترك العمل لملازمة المنزل من أجل رعاية أحبائهم. ونتيجة لذلك، فقد تجاهد الأسر من أجل تدبر أمورها (تسديد فواتير المنزل أو إعالة أطفالهم وغير ذلك).

العلاقات العائلية: قد لا يتمكن بعض المرضى وبسبب القيود الناجمة عن المرض من الوفاء بمسؤولياتهم الأسرية.، لذا لا بد من أن يتقدم أفراد الأسرة الآخرين لتحمل هذه المسؤوليات. ولا يشكل ذلك في بعض الأسر وخاصة تلك المترابطة في الشرق الأوسط، مشكلة في التكيف مع التطور الجديد، بل وربما يساعد ذلك في تقوية الروابط بين أفرادها في تركيز جهودهم على توفير الرعاية لأحبائهم. من ناحية أخرى، قد تناضل بعض العائلات للتكيف مع الوضع الجديد وقد تنشأ خلافات أو صراعات بمرور الوقت. ينطوي مصدر الصراعات الشائع على خلافات تتعلق بأهداف الرعاية أو مسؤوليات تقديم الرعاية.  ولأن لمرونة الأسرة تأثير قوي على الحالة النفسية للمريض، يجري تنظيم اجتماعاتها على أساس دوري من قبل فريق الرعاية التلطيفية لمعالجة المصادر المحتملة للصراعات ومساعدة أفراد العائلة على الاتفاق على االقرارات التي تخدم مصلحة المريض.

القضايا الروحية: يعتبر الجانب الروحي لدى المرضى الميئوس من شفائهم بعدا هاما ينبغي معالجته وتقييمه، ويشير هذا الجانب للطريقة التي يبحث من خلالها الأفراد عن المعاني والأهداف وكيفية التواصل مع الذات، الآخرين وما يرونه أعظم مما يقدرون عليه.

تشخيص مرض غير قابل للشفاء قد يؤدي لصراعات روحية لدى المرضى وضغطا نفسيا لدى بعضهم في محاولتهم الوصول أو التعامل مع حقيقة مرضهم وما سيترتب عنه مع ما يمنح ذلك حياتهم من قيمة ومعنى.

يجد بعض المرضى صعوبة في تقبل مرضهم خصوصا إذا رأوا أنه أمر وقع عليهم أو أنه عقاب ظالم. وغالبا ما سيتساءلون: ” لم يحدث ذلك لي؟” أو ” لماذا أعاقب؟” أو ” ما معنى هذا المعاناة؟” قد تساعد الممارسات الروحية كالصلاة والتأمل واستعراض حياة المريض في الإجابة على بعض هذه الأسئلة، كما أن تشجيع المرضى على استعادة الذكريات والتجارب مفيدة في منحهم إحساسا بالقيمة.

وفي الختام، يرتبط وجود شخص مصاب بمرض عضال بالعديد من التحديات والضغوطات، وبينما يتمكن بعض المرضى وأسرهم من التكيف مع هذه التحديات، يواجه آخرون صعوبات ويعانون من ضغط نفسي.  يعتبر أخذ كافة الجوانب الجسدية والاجتماعية النفسية والروحية للمرض بعين الاعتبار مع تفهم جيد للقضايا التي قد تكون صعبة بالنسبة لكل مريض وأسرته أساسيا من أجل توفير رعاية تلطيفية لمرضى السرطان الذين لا أمل في شفائهم.

 الكاتبة: هبة مكي هي إخصائية اجتماعية تعمل في المركز اللبناني للرعاية التلطيفية (بلسم)، وحاصلة على الدرجة الجامعية من الجامعة اللبنانية ودرجة الماجستير في الخدمة الاجتماعية من جامعة هوارد.

References
 WHO definition of palliative care. World health organization. March 16, 2012
 Fitch, M.I. and Steele, R. Supportive care needs of cancer patients: looking beyond the obvious. Supportive care cancer,11(6), 423 (2003)
 Fitch, M.I. Needs of patients living with advanced disease. Nursing journal,15(4), 230-5(2005)
 Davidson, Gerald C. (2008). Abnormal Psychology. Toronto: Veronica Visentin. P. 154. ISBN 978-0-470-84072-6
 Chochinov HM. Dying, dignity and new horizons in end of life palliative care. CA Cancer/clin, 56, 84-103 (2006)
 Rumbold BD. A review of spiritual assessment in health care practice. The medical journal of Australia, 186(10 Suppl), S60-S62 (2007)